تفاصيل تمزق القلب.. مهندس من الغوطة يسرد تفاصيل استشهاد زوجته المهندسة قبل أيام
رابط مختصر
Google Plus Share
Facebook Share

 

يروي المهندس أبو صالح عبد السلام (من عربين) تفاصيل استشهاد زوجته المهندسة ملك خبية (ابنة مدينة دوما) إثر غارة جوية استهدفت منزلهما في مدينة عربين بالغوطة الشرقية، وينعى أبو صالح زوجته الشابة بكلمات مؤثرة تقطرُ حزناً فيقول:

 

#هذه_قصتي

كثرٌ سألوني على الخاص عن كيفية استشهاد زوجتي وريحانة قلبي وحبيبتي ملك تغمدها الله بواسع مغفرته ورضي عليها وأسكنها فسيح جنانه..

مساء الثلاثاء وقريب الساعة سبعة إلا تلت عدت إلى البيت، فتحت الباب ومشيت إلى الداخل لم تنتبه لي فصوت الغسالة كان أعلى،وضعت الأغراض على المجلى فانتبهت لي

أتت بابتسامتها الجميلة وعانقتني .. أتيت؟.. لماذا تأخرت؟ .. سؤال بعتب

- هلأ خلصت شغل

- الله يعطيك العافية

-عمتغسلي؟ الله يعطيكي العافية..وتبادلنا الكلام الذي حينما يبدأ لاينتهي إلا لنلحق وقت صلاة أو أحد ينادي علينا

 

ليقطع كلامنا صوت غارةٍ قريبةٍ .. قريبة جدا

الحمد لله نجونا .. كان الله بعون من سقطت عندهم

قالت: الحمد لله أنك أتيت لو لم تكن لمات قلبي خوفا عليك.. والحمد لله أني أتيت فلو لم آتِ لمتُّ خوفا عليك

ذهبت لأفتح الواتس بالغرفة المطلة على الشارع وأعرف أين الضربة والتهت هي بغسيلها، واذ بالطائرة تعود مرة ثانية.. كانت ملاكي خائفة

أتت مسرعة وأمسكت بيدي لتدخلني إلى الغرفة الداخلية، كنت أرد على رسالة مرت عمي (أمها) كانت تطلب منا أن نذهب لدوما حالاً وأن لا ننتظر للصباح

قلت لها لا مافي شي بكرا إن شاء الله الصبح جايين، ملاكي كانت خائفة على غير عادتها باليوم الماضي حيث كانت كلما غارت الطائرة تهرع إلى البرندة لتسجل صوت شكّت الطيارة، سجلت صوت ثلاث غارات .. من يسمع صوت المقاطع يستعجب من ثباتها وهي تسجل وعدم خوفها وهربها للداخل

 

سألتها شبكي ليش خايفة!!؟  مو علينا.. سحبتني من يدي غير آبهة لكلامي ودخلنا إلى الغرفة الداخلية

اشتد صوت الطائرة.. ضممتها وجعلت ظهري للخارج (للصالون) وهي للداخل..

كنت خائفا عليها .. ومستغربا من خوفها

هي لحظات

 

اشتد صوت الطائرة ليشتد ذراعاها علي واشد ذراعي عليها، كان وجهها تماما عند صدري، ويدي اليمنى لففتها حول رقبتها واليسرى حول خصرها، ويدها اليسرى حول خصري

ضممتها بقوة، لأشعر بضوء أحمر أضاء الغرفة كلها مع انفجار وأستشعر بشيء نحرني من رقبتي وأرى الدم ينفر من رقبتي، كنت أظن أن ملاكي بخير وأني تلقيت كل الضربة

بهدوء أجلستها على الأرض ووضعت يدي على رقبتي والردم بدأ يتساقط علينا والغبار ملاْ الجو

هرعت متثاقلا إلى الخارج لأنادي على الجيران ليساعدونا

صرخت وأحسست أني لا أستطيع الصراخ

 

عدت إلى حبيبتي كانت تسمع صراخي

وكانت تئن بصوت مخنوق .. يملؤه الوجع .. شعرت بأن إصابتها قد تكون كبيرة، ناديت عليها .. لم تجبني ولم أستطع تحريكها

هرعت مجددا إلى الخارج لأرى رجال الدفاع المدني .. الخوذ البيضاء.. قد وصلوا.. ناديت فيهم مرتي جوا مشان الله

كان جسمي قد تغسل بدمي وبدأت أشعر بتعب كامل ودوخة ولعية نفس، جاء اثنان ليأخذوني، كنت خائفا ألا يجدوا ملاكي من كثرة الغبرة وهي بالغرفة الداخلية

أسعفوني إلى السيارة ولما استلقيت فيها بدأت أشعر بحاجة إلى النوم

لحظات وأحضروا فتاة الى جانبي وقال أحدهم هي مرتك.. نظرت إليها وأصابني الرعب! 

هي مو مرتي .. أحسست أنهم لم يجدوها .. صرت أصرخ مرتي موهي مرتي جوا مشان الله

صار المسعفون يقولوا للسائق امشي في سيارة تانية منجيبها فيها

صرت أشعر نفسي أتقلب بين الأيادي من سرير لنقالة لسرير، وكلما رأيت أحدا أسال عن ملاكي أين هي؟

الكل يجيبني هي بخير عليك بنفسك.. شعرت بفرح وقوة.. اطمأننت عليها، لكن بدأ قلبي يختنق .. أخاف أن يكذبوا علي

 

أريد أن أراها.. فقط لحظة خلوني شوفها .. بس لأطمّن، وهنن يقولولي هي بخير.. شعرت بشيء تحشرج في صدري، رأيت صديقا أعلم أنه يسعف النساء أيضا

قلت له أنت تعرف زوجتي .. أذهب وهمس لها أني راض عنها

صحت بصوت عالي .. الله يرضى عليكي ياملك

الله يرضى عليكي يا حبيبتي .. الله يرضى عليكي يا ملاكي

لا ألم السبب لكن أحسست أني بحاجة لأجدد رضاي عنها

مر اليوم ودخلت إلى غرفة العمليات وكلما سألت عنها قالوا لي أنها بخير ولا تشغل نفسك واهتم بنفسك

استيقظت صباحا وكلي قوة .. أريد أن أراها

 

قالوا لي أنها بدوما .. جاء عمي وأخذها .. استغربت فكيف يأخذها ولا يأخذني، قال لأنها تحتاج عناية مركزة .. ووعدوني بالاتصال بالمشفى في دوما والتحري عن حالتها

مضت ساعتان ولم يعد يحملني جسمي . أريد الذهاب الى دوما، لو لم يأخذوني بالسيارة سأذهب مشيا على الأقدام، كنت أشعر بالقوة

وأثناء الجدل جاء أحد الجيران وسلم علي وقال لي: العمر لك .. لم أفهم .. عمر من لي!؟ قال زوجتك .. نظرت إلى أصدقائي فنظروا إلى الأرض

بدوما استشهدت ؟؟ لا مبارح بعد ساعة من الإصابة 

سألته لما قلتلكم تروحوا لعندها؟؟ .. قال وقتها .. ذهبنا وكانت لتوها فارقت الحياة، ليش شو إصابتها ؟؟ مثل إصابتي تقريبا لكن أنا جنبي اليمين هي جنبها اليسار

شظايا البلور مزقت جسدي وجسدها، كنت أظن نفسي أحميها من شظايا قد تدخل من الخارج، لكن حمتني هي من بلور الغرفة، هذا البلور الوحيد المتبقي بالمنزل

لم نفكر بكسره .. فهو الفاصل بيننا وبين جارنا بالشقة الثانية

صمد هذا الشباك كل السنوات الماضية

قاوم كل الضربات، آخرها قبل كم شهر حينما أصابت قذيفة هاون أسطوح بنايتنا وفتحت سقف جاري، ولم تدع ولا شباك بالبيت إلا كسرته، إلا هذا بقي صامداً

تشظّى علينا ونهش بأجسادنا

 

وصف الدكتور جسمها وجسمي وقال متل الصبار!! كيف ماحطينا أيدنا تنوخز بزجاجة

يدي على رقبتها حمت رقبتها وكانت إصابتي في رقبتي أكبر، لكن يدها على خصري حمت خصري مكان يدها لم أصب بشي تمزقت يدها دفاعا عني

لكن خصرها تلقى أقوى الضربات، كانت الإصابة القاتلة في خصرها وجزعها، نزفت الكثير وتهتك جسمها، نجوت كما أخبرني المسعف بمعجزة

قال لي والله لم أتوقع نجاتك!

 

رحلت هي

كانت تتمنى الشهادة

كانت تقول أنها أضعف من أن تخسر أحدا من أهلها بسبب الحرب، وترجو ربها أن تكون أول من ترحل

كنت أنهرها وأقول لها هل تتحملين حال أمك بعد فقدك؟؟

كانت تقول أنها أضعف

(( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ))

تلك كانت آيتها .. كانت تقول أن الله أخبر بها

هو من خلقها وهو اللطيف الخبير بها

رحمك الله ياعمري ..رحمك اللطيف الخبير .. رحمك الله واسكنك فسيح جنانه .. أقول يرحمك الله وعقلي لا يستوعب حجم الكلمة

في كل ثانية أتخيل قدومك

ثلاث سنوات وخمسة أشهر عشناها .. عشتي معي الحصار وأكلتي معي خبز الشعير وأوراق النباتات

عشنا كل شيء .. الآن رحلتي؟؟

يكاد صبري ينفد .. أرى من حولي وقد فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأبناءهم

عبارات الصبر لم تعد تنفع

يارب فرّج عن هالشعب .. كل يوم يفقد حبيبا

وداعا يا حبيبتي عسى لقاء يكون قريب

كم كنتي تحبين الغيوم

 

malak kheppieah

أطـفــال الغـوطــة الشـرقيــة الـمُـهـجّـرون إلى الشمـال الســوري
نتشرف بمتابعتكم لصفحتنا على الفيسبوك
روزنامة الأخبار
جميع الحقوق محفوظة للمكتب الإغاثي الموحد